شهادات توثيقية الجمعة · ٢٥ آذار ٢٠١١

بدايات الحراك في اللاذقية

شهادة توثيقية عن الأيام الأولى للثورة.

في بداية الثورة السورية، لا نستطيع أن نجزم بأن شخصاً بعينه كان صاحب الدعوة الأولى إلى التظاهر في مدينة اللاذقية، أو أنه تولّى وحده مهمة التنسيق والتحضير لها. فقد كان هناك عدد كبير من الشباب الذين تحركوا وتواصلوا فيما بينهم، بعضهم بقي مجهولاً، وكان لكلٍّ منهم دور في كسر حاجز الخوف والتحضير للحراك في بداياته.

ومع انتشار أخبار أحداث درعا، التي بدأت في ١٨ آذار ٢٠١١، وما رافقها من قمع وسقوط شهداء، وصلت أخبار ما يجري إلى اللاذقية، وبدأت تظهر فيها تحركات شبابية تدعو إلى الخروج في مظاهرات نصرةً لدرعا.

المحاولات الأولى

محمد مناع أحد ثوار حي الرمل

محاولة للخروج في مظاهرة سبقت المظاهرة الكبرى بنحو أسبوع، وذلك من جامع فلسطين، حيث خرج خالد جازي، ونبيل وزياد ومصطفى عبد المنعم — وهم أشقاء — وجميل كوسا، ومازن حمادي، برفقة عدد من الشباب، وكان عددهم يقارب عشرة أشخاص.

لوحظ تشديد الأمن وجوده في محيط المسجد، مما استدعى شيخه للتساؤل عن سبب وجودهم، نافياً علاقتهم كفلسطينيين بأي حادثة تخص البلاد. وفعلاً بعدها، في الأيام التالية، أصبح الفلسطينيون المؤيدون للثورة يخرجون للمشاركة بالمظاهرات من ساحة الرمل.

وفي الوقت نفسه، كانت مظاهر الاحتقان الشعبي تتزايد في المدينة. فقد ظهرت كتابات على الجدران تدعو إلى إسقاط النظام في عدد من المناطق، ومنها حي الرمل وسوق التجار ومحيط محطات القطار. كما تذكر بعض الشهادات أنه، قبل هذه الأحداث، كان قد جرى كسر تمثال حافظ الأسد في سوق التجار.

وكان من أوائل من خطط لخروج المظاهرات أبو سيف محمد بايزيد، قبل شهر من انطلاقها، عبر التنسيق مع شباب في حي قنينص وطلابه الذين يدرّسهم العلم الشرعي في منزله. بدأت الخطوات الأولى بنشر الشائعات، مع التنسيق مع مصطفى جانودي وأقاربه، ومحمد عيسى، والشهيد إبراهيم سخطة، وخالد رامو، وأيمن سمهاني، وأبو أحمد ديبو، ومصطفى أبو شامة، وأبو عثمان، وجماعة أبي الحارث محمد عيسى، الذي تم الاتفاق معه على قيادة اليوم الثاني للمظاهرات. وتم اختيار جامع خالد لكونه صلة وصل بين حارات البلد.

أحمد مصطفى شمطان من أوائل المشاركين في الثورة

التحضير بدأ منذ سقوط الرئيس التونسي زين العابدين بن علي.

كنت أملك صالة ألعاب في حي الرمل الجنوبي، شارع البحر، ومعي مجموعة كبيرة من الأصدقاء، أبرزهم المقاتل حجازي حجازي، والمقاتل يحيى الشيخ أحمد سيف الدين حجازي، ومعتقل صيدنايا السابق عبد الكريم صالح التلاوي، وشهيد صيدنايا مجد إسماعيل، وشهيد المعارك محمد يحيى شاكوش، وصديق طفولتي العسكري المنشق مجد سليم منون، وبعض الأصدقاء.

بعد سقوط النظام التونسي بدأت تتردد في ذهني وذهن أصدقائي فكرة أن الثورة غير مستحيلة. خلال تلك الفترة كتب صديقي الشهيد مجد إسماعيل أول عبارة مناهضة للنظام في اللاذقية: «إجاك الدور يا دكتور»، على حائط خزان كهرباء حيّنا بين ساحة العيد وشارع البحر، بالحارة الضيقة.

جُنّ جنون الأمن وقتها، ولكن دون علم أحد من أصحاب المنزل المجاور قاموا بمسحها خوفاً على أنفسهم. المرة الثانية كُتب: «يسقط عميل إيران».

بهذه الأوقات كان لدي حساب «ميغ ٣٢»، واسمي فيه «صقر العرب»، كنت المحرّض الأول على البرنامج ضد الدولة، وفعّلت غرفة باسمي ضممنا فيها خيرة المدافعين عن الشعب السوري والمطالبين بالثورة.

ومع تصاعد الغضب الشعبي، بدأ النظام يشعر بوجود تحركات تهدف إلى تنظيم مظاهرات في اللاذقية. وقبل خروج المظاهرة الكبرى بيوم، خرجت مسيرات مؤيدة للنظام في عدد من الأحياء، وارتفعت أصوات أبواق السيارات، ولا سيما في الأحياء المؤيدة، كما أُلغيت مباراة محلية كانت مقررة، وبدأت حملة اعتقالات عشوائية طالت أشخاصاً بتهمة التحريض، منهم محمد فيزو.

وفي تلك الأيام، كان المشهد في المدينة يتغير بسرعة. وكان كثيرون يستحضرون في ذاكرتهم ما عرفوه سابقاً عن بطش النظام، ولا سيما أحداث الثمانينيات، وهو ما جعل بعض الرجال الأكبر سناً يترددون في المشاركة، لا جُبناً، وإنما خوفاً من تكرار ما عرفوه سابقاً من قمع.

التحضير للخروج — زاوية من عدة زوايا

كان خبر الخروج بمظاهرة بمثابة نار تسري في الهشيم، ويحكي لنا أحد أوائل المعتقلين، علاء حمامي، عن مشاركته:

علاء حمامي من أوائل معتقلي اللاذقية

كنت على تواصل مع الإخوة في درعا، وكانوا من زملائي الطلاب في جامعة تشرين، ومن بينهم الأخ ماهر النصيرات.

طلبوا مني عدة مرات أن نخرج في المظاهرات، وقد عقدتُ عدة اجتماعات مع بعض الأصدقاء بهذا الخصوص، ومنهم الأستاذ زاهر سينو، وهو حيٌّ يُرزق، وعبد الرحمن طيبة، رحمه الله وتقبله، وعمار حمامي، رحمه الله.

بتاريخ ٢٢/٣/٢٠١١، وكان يوم أربعاء، اتصل بي ماهر النصيرات تقريباً عند صلاة المغرب، وأخبرني بأنه أُصيب أثناء الاعتصام في الجامع العمري.

في ذلك الوقت، كنت قد حاولت الحديث مع عدد من الأشخاص حول الخروج والتظاهر، لكنني كنت أواجه دائماً ردوداً من قبيل: «لا تبلّينا»، وكان واضحاً أن الناس في حالة خوف وتردد.

وبحكم دراستي واعتقالي قبل الثورة بـ٢٠٠٥ والاستدعاءات المتكررة، خطرت لي فكرة تقوم على نشر إشاعة بوجود مظاهرة ستنطلق من جامع سيدنا خالد بن الوليد، وهو الجامع الموجود في حارتنا، في منطقة بستان الحمامي.

كنت حينها جالساً مع عمار حمامي، وقلت له: «كيف بدنا نطلّع؟» فاتفقنا على نشر إشاعة بأن هناك مظاهرة ستخرج في اليوم التالي، الجمعة، من جامع سيدنا خالد بن الوليد.

والأشخاص الذين دعوتهم إلى الموضوع كانوا: كمال حمامي، الذي عُرف فيما بعد باسم «أبو بصير»؛ وأخوه محمد حمامي؛ وعبد الرحمن طيبة، وهو أخو أبو علي طيبة، الذي عُرف فيما بعد باسم «أبو عبد الملك الشرعي»؛ وعمار حمامي؛ وعمر خلو، الذي عُرف فيما بعد باسم «أبو طه»؛ والأستاذ زاهر سينو.

وكانت الفكرة أن تُنشر الإشاعة على نطاق واسع، بحيث يُقال إن هناك مظاهرة ستخرج من جامع سيدنا خالد بن الوليد، وأن الهدف منها هو «قتل محمد عليو وإنزاله من المنبر»، مع التأكيد للناس على أن يأتوا للحضور وألا يشاركوا، وأن يخبر كل شخص خمسة أشخاص آخرين.

وما إن حلّ وقت المغرب حتى كانت الإشاعة قد لفّت ودارت بين الناس، ثم عادت ووصلت إليّ أنا شخصياً، وأدركت حينها أن هنالك فرصة لنجاحها.

والذي زاد الاحتقان والتوتر في تلك الفترة أن شبيحة بيت الأسد كانوا يأتون ويحتفلون في مناطقنا، إضافة إلى أن خطيب جامع خالد بن الوليد، محمد عليو، كان من المؤيدين للنظام والمستفزين للناس، وكان يتحدث من على المنبر كل جمعة بطريقة تزيد من حالة الاحتقان.

والله أعلم، لو أنني سكت محمد عليو يومها، ربما لم تكن المظاهرة الأولى قد خرجت أصلاً، وربما لم تكن الثورة قد استمرت بالشكل الذي استمرت به. فقد كانت تلك المظاهرة، برأيي، نقطة فاصلة، ليس فقط في اللاذقية، وإنما كان لها أثر في اتساع الاحتجاجات في مختلف المحافظات، وربما أكثر من درعا في بعض المراحل، خصوصاً أن اللاذقية كانت تُعتبر من معاقل النظام.

وفي النهاية، أشهد الله على هذه الشهادة، وأشهد أنني أروي ما أتذكره وأعرفه من أحداث تلك المرحلة، كما أذكرها، دون زيادة أو نقصان.

ومن بين الأشخاص الذين أسهموا في التحضير للحراك في اللاذقية «الأخطبوط»، وهو أحد شباب الثورة، روى لنا:

«الأخطبوط» أحد شباب الثورة في اللاذقية

مع تزامن أحداث درعا وردّة فعل النظام الإجرامية تجاه المتظاهرين هناك، تواصل معي شاب من درعا كنت قد تعرّفت إليه أثناء تأديتنا الخدمة العسكرية الإلزامية معاً.

أخبرني بما يجري في درعا، وعن القمع الذي يتعرض له أهلها، وعن أعداد القتلى والشهداء الذين كانوا يُلقون في الشوارع. كانت هذه الأخبار صادمة لي، ودفعتني إلى التفكير مليّاً في سؤال واحد: ماذا يمكن أن نفعل نحن في اللاذقية نصرةً لدرعا؟

بدأت بالتواصل مع عدد من أصدقائي، كما تواصلت مع جميل كوسا، وتوجهنا إلى حي الصليبة، حيث التقينا بعدد من الشباب هناك، وجرى التنسيق معهم والاتفاق على الخروج في الجمعة التالية نصرةً لدرعا واحتجاجاً على ما يرتكبه النظام بحق أهلها.

وكان من بين الشباب الذين شاركوا في هذا التنسيق وائل نمر، ومصطفى، وخالد جازي، ووائل عثمان، وكريم حلبي، وعبد الله قبارو وأخيه.

ستُدرج لاحقاً أسماء إضافية شاركت بشكل فاعل في التنسيق. وللعلم، أغلب شهداء اللاذقية هم من رسموا خريطة حريتها، وأكمل من بعدهم شباب الجبل.

وبذلك، بدأت مجموعات مختلفة من الشباب في اللاذقية تتحرك في الوقت نفسه، من دون أن يكون هناك بالضرورة مركز واحد يجمع كل هذه التحركات، أو شخص واحد يمكن نسب البداية إليه.

يوم المظاهرة

وفي اليوم الذي شهد خروج المظاهرة، كان جامع خالد بن الوليد أحد أبرز نقاط التجمع.

وكان خطيب الجمعة يومها الشيخ محمد عليو، وتناولت خطبته موضوعات تتعلق بأضرار التدخين والأرجيلة وخروج الفتيات لشربها في المقاهي والأماكن العامة. وفي نهاية الخطبة، دعا لبشار الأسد وللسلم والتسامح، الأمر الذي أثار غضب عدد من الموجودين، فقال له خالد عبد الرزاق حصري: «اتقِ الله»، وآخر قام بسبّ الشيخ. ومن الذين علا صوتهم لإسكات الشيخ الشهيد ياسر راعي، تقبله الله. ووسط هذا الجو المشحون تعالت أصوات من قبل عناصر الأمن والجنائية والمخابرات لتخويف العالم، وكان منهم عبد السلام علي سبع.

وكان بجانب خالد أخوه عبد القادر ومجموعتهم، ومنهم حسن حمامي الذي شهد بذلك أيضاً، وأضاف أن من المفترض أن يقوم أحمد زكريا «أبو متعب» اللاذقاني بأخذ دور الشيخ وإلقاء خطبة. ومن الموجودين: مصطفى زكريا، وعبد الرحمن درويش، وهاني درويش، وباسم درويش، وسامر سماق، وعبادي، وهاني الغريب، ورشوان زاكي، ونديم دنورة، ومصطفى أرناؤوط، والشهيد أحمد أندرون الذي وقف في وسط المسجد وهجم على الشيخ غاضباً، ومع مجموعة من المصلين منهم علاء جاموس. وأكد لنا محمد شاويش تلك الحادثة وذكر لنا نفس الأسماء. وهنا وقف الشاب أحمد دعبول وطلب حمل القرآن عند الخروج.

حدثت بلبلة داخل المسجد، وبدأ بعض الناس بحماية الشيخ وهم ينادون: «الشيخ، الشيخ»، وقام أبو سامر جود، خادم الجامع، بإبعادهم عن الشيخ خوفاً عليه.

ما حدث كان تعبيراً عن الغضب ورفض الظلم والوقوف إلى جانب أهل درعا، فتراجع التوتر. وروى لنا نبيل عبد المنعم، أحد الحاضرين في المسجد في آخر صفين في ساحة الجامع الخارجية، وكان بجواره الشيخ مصطفى ديبو، أنهم أول من تجرأ على التكبير وحدهم، وللحظة لم يردد معهم أحد مطلقاً التكبيرات، ووصف المشهد بقوله: «نشف دمنا للحظات». وقال لهم أحد أصدقائهم: «شو بدكم بهي الشغلة، ارجعوا على بيوتكم»، فردّ عليه الشيخ مصطفى: «مالك علاقة، أخذنا إذن من الرئيس وسمح لنا بالخروج بمظاهرات سلمية لأجل درعا». وهنا أغلب الحاضرين كبّر معهم… واستمرت الحكاية، وبدأ الناس بالخروج من المسجد جماعات.

وفي رواية أخرى مرتبطة بالمشهد نفسه، كان مهند إسماعيل ينتظر خارج جامع خالد بانتظار الإشارة من أصدقائه، وسط أجواء أمنية شديدة التوتر، في واحدة من اللحظات التي بدأ فيها الخوف يتحول إلى تحدٍّ علني للنظام. وكان الشهيد مصطفى عبد المنعم يقف إلى جانب مهند عندما بدأ المصلون بالخروج من الجامع.

بدأ الشباب يتبادلون النظرات فيما بينهم، وكل واحد منهم ينتظر أن يبادر الآخر بالهتاف والخروج، حتى جاء أحد المواطنين ونظر إلى جميل كوسا وقال له: «شكلكم ما رح تطلعوا يا عمي».

نحن طالعين لله. — جميل كوسا

عندها هتف الشهيد مصطفى عبد المنعم، وبدأ بالتكبير:

بالروح بالدم نفديك يا درعا. — الشهيد مصطفى عبد المنعم

سرعان ما تجمع الناس حوله، وبدأت أصوات التكبير والهتافات ترتفع، حتى إن أصحاب البسطات المنتشرة حول الجامع أخذوا يرددون الهتاف نفسه.

وفي جامع المهاجرين أيضاً، تذكر شهادة أخرى أن الشهيد عبد السلام إبراهيم قاسم أخذ مكبر الصوت من يد الشيخ وطلب منه الدعوة إلى إقامة صلاة الغائب على شهداء درعا، إلا أن الإمام رفض — وكان الشيخ فلسطينياً — وقال إنهم ليسوا شهداء.

عندها هتف مصطفى خليل حماش، الذي تعود أصوله إلى قرية الناجية في جسر الشغور، بالتكبير، وردد الناس وراءه، ليكون ذلك من أوائل الهتافات بالتكبير داخل الجامع أمام إمامه، الذي كان اسمه محمود عودة. ومن كبّر وراء مصطفى: محمد أسعد «أبو رامي»، وأبو إبراهيم قاسم، وعامر قاسم، ومحمد بيازيد «أبو سيف»، ومصطفى أبو شامة، ومحمود خضر، وفايق رشوان، والمنشد محمد الجسري، ومحمد كبولة، ودرويش آسيا، ومحمد آسيا، وحسام آسيا، ومحمد صايغ. وكان في الخارج خالد جازي ورفاقه قد أشعلوا الساحة بالتكبير، فهرب الناس مع الأمن، وكانوا خمسة شباب: نبيل عبد المنعم، وجميل كوسا، ويحيى منون، وشخص خامس، بالإضافة لخالد وآخرين، وتهامسوا: «لسنا خائفين، هي لله»، ثم انطلق المتظاهرون.

أبو سيف محمد بيازيد رواية أخرى لما جرى في جامع المهاجرين

من أخذ مكبر الصوت من يد الشيخ هو أبو أحمد ديبو، وطلب الصلاة على شهداء درعا. وهنا عبد السلام قاسم كان في الدور العلوي، قال نفس الكلام وردد معه بعد أن نزل من مكانه، وكنت بجانبه، وقال لي: «لا تحكِ، أنت صوفتك حمراء». ولكني تناولت المكبر وألقيت محاضرة مختصرة بأن نكون أو لا نكون، واليوم إذا ما طلعنا مظاهرات فلن تقوم لنا قائمة بعدها.

وخلال توجه المتظاهرين نحو ساحة الرمل، بالقرب من «المصوّر منير» وباب المفرزة، كان عناصر الأمن بانتظارهم، وأطلقوا الرصاص في الهواء وأغلقوا المنطقة بشكل كامل في محاولة لمنع تمدد المظاهرة خارج الرمل. هنا عاد فتى في الرابعة عشرة من عمره للهتاف لدرعا، فأمسك به أحد منسوبي مفرزة الأمن العسكري وسحبه داخل المفرزة، فاندفع الشاب الملقب بـ«الأخطبوط» ضارباً بطنه بسكين، وفرّ الاثنان من المكان. ومن جمع الناس للهجوم على المفرزة محمد بايزيد.

ومن ثم اعتقل الأمن محمد بيازيد ومصطفى أبو شامة وأدخلوهما داخل المفرزة، فدخل أبو إبراهيم وأخوه عبد السلام، ومحمد أسعد، للمطالبة بهما. وعندما علم شباب المظاهرة باعتقالهما، توجهوا إلى المفرزة وطالبوا بإطلاق سراحهما، ثم هاجموا المفرزة في محاولة للإفراج عنهما، وبالفعل أُطلق سراحهما في اليوم نفسه.

وخلال سير المظاهرة، جاء اتصال يبشّر المشاركين بخروج أهالي حي الصليبة باتجاههم، الأمر الذي عزز شعور المتظاهرين بأن المظاهرة تتوسع وأن الخوف بدأ ينكسر في المدينة.

من الجوامع إلى شوارع اللاذقية

بعد هذا الموقف، عادت أصوات التكبير والهتافات إلى الارتفاع، واجتمع الناس من جديد، وتحركت المظاهرة باتجاه الصيداوي والصليبة، ثم الأشرفية وطريق الحرش، ثم الطابيات مروراً بجامع الرحمن، ثم نزلت لشارع الإسكان والقوتلي، ثم نحو ساحة الشيخ ضاهر. والتأم المتظاهرون من كافة الأحياء الثائرة.

أبو عدي كمال طحان من أبناء حي الصليبة

كان في تجمعات معينة بالحارة بين رجال من الحارة، مثل أبي جمعة منون وأبي حسن دعبول، تتهامس حول إمكانية الخروج. ولكن في جامع الصليبة لم يكن هناك شيء مريب، ولكن بعد انتهاء الصلاة وذهاب المصلين سمع الأهالي تكبيرات، وأول من بدأها هم شباب من الحارة، وشاب من الحفة، قرية الجنكيل، اسمه محمود ديب، والشهيد أيمن سلواية، وعمر جانودي الذي صرخ عالياً: «يا شباب، ليش الخوف؟ ما في أكبر من رب العباد، الله أكبر».

وبعد قليل يأتي شباب من جسر الشغور والحفة وريفها، منهم شاب اسمه سامي جمعة جسري، ونزل الناس مجتمعين من جامع البازار والفتاحي والصليبة.

ولكن قبل وصولنا لساحة أوغاريت، قوات حفظ النظام حاولت فض المظاهرة عند فرن غزال ولم تستطع، وتناوش معها الشباب. لما رشّوا الماء وهجموا على الناس، صعد الشاب أحمد صهيوني على سيارة الدفاع المدني، وأنزل السائق وأطفأ المحرك ورمى المفتاح.

وشارك طارق وهوب بصوته الجهوري، وأخذ يوجه الناس بعد الاقتراب باتجاه الشرطة العسكرية ومخفر الشيخ ضاهر.

وكانت الهتافات تعلو في الشوارع:

  • حرية… حرية
  • لا إله إلا الله، الشهيد حبيب الله
  • الله، سوريا، حرية وبس
  • الشعب السوري ما بينذل، وبعد اليوم ما في خوف
  • يلي ما بيشارك ما في ناموس

مواجهة الأمن

مع اتساع المظاهرة، تدخلت قوات الأمن، فأطلقت الرصاص ووجهت بنادقها نحو المتظاهرين، كما أطلقت النار في الهواء في محاولة لتفريقهم.

محمد حاج محمد متظاهر

في شارع القوتلي التقى المتظاهرون مع الجيش، الذي سدّ الطريق بمصدات بلاستيكية جاثياً على ركبتيه، وكلما تقدمنا كان يتراجع أكثر. وأكد وجود عناصر من «حزب اللات» على الأسطح، وقام الجيش بإطلاق رصاصات مما سبب حالة انفلات بين المتظاهرين نوعاً ما.

وكان في الشوارع شباب تابعون لرئيس الشبيبة، وكان خلف مدرسة جول جمال بيكابات محمّلة بالروسيات من الداخل وبعصيّ (رفوشة) من الخلف. وشارك موظفون حزبيون كذلك في منع المظاهرات لمساندة الأمن وقوى حفظ النظام والشرطة. ويُذكر أنه تم اعتقال علاء حمامي عند طريق الحرش في هذا اليوم.

عند وصول المتظاهرين إلى ساحة الشيخ ضاهر، كانت أعداد كبيرة من الناس قد تجمعت هناك، واستمرت الهتافات والتكبير. وفي تلك اللحظات، تقدم أحد الفتيان وصعد إلى تمثال حافظ الأسد، في محاولة لإهانة التمثال وضربه.

وتذكر إحدى الشهادات أن قناصاً كان متمركزاً على سطح مدرسة جورج جمال، مختبئاً ومترصداً للمتظاهرين، فأطلق النار على الفتى مصطفى بيازيد من حي بستان السمكة، فسقط شهيداً، وحمله بيديه طارق وهوب مع ثلة من الشباب إلى إحدى السيارات لإسعافه. ويروي لنا المعتقل السابق والناشط شادي مراد أنه كان بالقرب من مصطفى، وأن الرصاصة الأولى مرت من رأسه والثانية قتلت مصطفى، تقبله الله.

وفي عصر هذا اليوم الجلل، جاء أحد الشيوخ ورجل أعمال وصار يحاور العميد حول ما حصل من قبلهم، ولكن لم يُسمع لهم، وازداد الهجوم عليهم، وعند جامع الصوفان تم حرق سيارة (بيكاب). وانفضت المظاهرة قبيل المغرب.

وفي ساعات الليل، ارتقى أيضاً علي جاموس إثر إطلاق الأمن الرصاص في منطقة الرمل عند نزلة السكنتوري.

وبعد سقوط الشهداء، بدأت المظاهرة بالانفضاض، بعدما تحولت لحظات الهتاف الأولى وكسر حاجز الخوف إلى مشهد دموي، وسقط أول شهداء اللاذقية في هذه المرحلة من الحراك.

واستمر وجود المتظاهرين في الشوارع، فالعودة للبيت في هذا اليوم التاريخي تفويتٌ لفرص ناجحة لاستكمال الهدف. حصلت مواجهات كبيرة مع النظام في منطقة ساحة أوغاريت ثم انفضت، وفي الليل حدثت مواجهات في حي العلقة مع قوات حفظ النظام، وجاء شباب من حارات لمساندة المتظاهرين من حارة الشحيدين، وقطعوا طريق ميسلون عند أبي تمام باتجاه محطة القطار. وهنا أتى النظام بتعزيزات وجرافات لفتح الطرق من عند مدرسة النضال، حيث رمى المتظاهرون الزيت في الطريق لعرقلتهم.

لكن سقوط الشهداء لم يكن نهاية الحكاية، بل كان بداية مرحلة جديدة انتقل فيها أبناء المدينة من مجرد كسر حاجز الخوف إلى مواجهة مفتوحة مع آلة القمع.

وهكذا، ووفق مجموع الشهادات التي تروي تلك الأيام، لم تكن بداية الحراك في اللاذقية مرتبطة بشخص واحد، ولم تبدأ من مكان واحد فقط.

كانت تلك الأيام بداية تحول كبير في اللاذقية؛ إذ انتقلت المدينة، خلال فترة قصيرة، من محاولات فردية متفرقة إلى حراك شعبي واسع، كُسر خلاله حاجز الخوف، وارتفعت فيه أصوات الحرية، وسقط فيه أول الشهداء، لتصبح تلك الأصوات والهتافات والوجوه جزءاً من الذاكرة الحية للثورة في مدينة اللاذقية.

زاوية إضافية

أبو الهول محمد حمادو من ثوار اللاذقية الأوائل ومؤسس أولى الكتائب في ريفها

قبل انطلاق الثورة السورية من درعا بتاريخ ١٨/٣/٢٠١١، كانت وسائل إعلام النظام السوري البائد تحاول جاهدة تخفيف الاحتقان الذي سببه الربيع العربي.

وروى لي عدنان نحيلي، وهو مساعد أول في مفرزة الأمن العسكري بالرمل الجنوبي، أن تعليمات وردت إلى المفرزة مفادها تكثيف مراقبة الشارع وتشجيع العملاء (كتبة التقارير) وتسهيل أمورهم لتزويد المفرزة بتقارير حول أشخاص قد يحرّضون على التظاهر.

ومن ضمن المعلومات التي وردت أيضاً: عدم الضغط على المواطنين ومسايرتهم، وتحسين صورة الأجهزة الأمنية في الشارع، وبث شائعات أن الوضع في سوريا مختلف عن مصر وليبيا وتونس واليمن، وأن القيادة بصدد العمل على تحسين الواقع المعيشي وتوفير فرص العمل.

لكن بعد اندلاع الثورة بدرعا أخبرني عدنان نحيلي أن تعليمات جديدة وصلتهم مفادها أنه إذا خرجت مظاهرات في اللاذقية سيكون التعامل معها وفق برنامج محدد من شعبة المخابرات، ويُمنع أي تصرف فردي دون الرجوع للقيادة عن طريق التسلسل.

بتاريخ ٢٥/٣/٢٠١١ سمعت أن المصلين بجامع خالد بن الوليد خرجوا يهتفون: «يا درعا نحنا معاكي للموت». ذهبت مع قريبي بالسيارة لنشاهد المظاهرة والتحقنا بها ووضعنا اللثام على وجهنا، لكن لم أتابع بالمظاهرة للأخير، حيث قررت العودة للمنزل للتفكير بعمل فاعل ونشيط فيما هو قادم.

استشهدوا في هذا اليوم ٢
اعتُقلوا في هذا اليوم ٣